حسن الأمين
39
مستدركات أعيان الشيعة
أو جهد . لا بد أولا في الأدب من عملية اختيار ، فليس كل ما يحدث لفرد ما صالحا أو جديرا بالتسجيل . ثم إن الأدب يختصر الزمن ويجمع اللحظات ، لأنه يسعى إلى إبراز نماذج وشخصيات انسانية . وهذا الكلام يقودنا إلى الحديث عن « الشخصية » في القصة ، وبالتالي في المقامة - القصة التي نتدارسها . قيل في بخيل « موليير » إنه مندوب فوق العادة لكافة البخلاء ، بحيث إننا نطالع في شخصه أكثر من بخيل ، وذلك أن الكوميدي الخالد أراد أن يخلق نموذجا للبخل في شخص هرپغون ( Harpagon ) . . وهذا التمثال المسرحي الحي له نظراؤه في القصة . ولا نبعد بالتفتيش في زوايا ذاكرتنا ، فان بديع الزمان يمدنا بنموذج في مقامته المضيرية . فهذا التاجر البغدادي نستمد عناصر شخصيته من فعاله ، فهو إنسان لجوج ، مفتون بزوجته ، حديث نعمة حصلها بالاحتيال « المشروع » ، وهو إلى ذلك ثرثار لا يني لسانه من الدوران حول حوائجه ، من غلام وطست وإبريق ومنديل وخوان إلى ما هناك ، بحيث يثير ثائرة أبي الفتح ويخرجه عن طوره ، فيولي هاربا وهو في غنى عن المضيرة وأكلها . فثرثرة التاجر وافتنانه بما كنز وحصل أمر يندر وقوعه على هذا النحو المقيت ، وإنما هي عملية يراد بها بلورة شخصية ، فلا مندوحة عندها من طرف مبالغة ، لأننا نحشد في شخص ما نجده مفرقا في غير واحد من الناس . والمقامة المضيرية تندرج في عملية « البناء » ، فينتقل بنا الهمذاني من الطريق إلى محلة التاجر البغدادي ، فإلى داره بما حوت من صنوف النعمة والثراء . . وهذا كله تمهيد طويل ينبغي أن يوصلنا إلى المضيرة ، وهي الهدف . ولكن التاجر لا يفرغ من إفراز الكلام وأبو الفتح ينتظر المضيرة ، فهو في شوق إلى الطعام ، فيحاول التخلص من لسان التاجر بارتياد الكنيف ، فينعقد لسان التاجر على الكنيف الذي « سطح سقفه ، وفرشت بالمرمر أرضه » . عند هذا الحادث المفاجئ تمشي المقامة - القصة نحو الحل والنهاية ، إذ يفر أبو الفتح من دار التاجر ، فيناديه هذا ويساعده صبية الحي بالصراخ له ، فينبري لهم الإسكندري ويرشقهم بحجر فيصيب به الرجل المعمم ، بهذا يقع حادث مفاجئ جديد ، وينتج عنه حل جديد ، إذ تتقدم عندها النعال إلى العمل ، ويسجن أبو الفتح عامين لفعلته . بهذا تنتهي القصة منطقيا ، ولكن بما أن هذه القصة صيغت بقالب ندعوه المقامة ، وبما أن الوعظ لم يكن بالسمة الغريبة على ذلك الزمن ، ولأن المقامات درج محدثها بديع الزمان على إنهائها بموعظة مستمدة من جو المقامة وأحداثها ، لهذا جميعا ختم عيسى بن هشام هذه المقامة بقفلة ساخرة . فنحن عرفنا من بداية المقامة أن أبا الفتح تمنع عن أكل المضيرة عند التاجر البصري مكرها ، وشاركه المدعوون فتمنعوا عن أكل المضيرة آسفين عليها ، ثم سرد أبو الفتح حكايته اللعينة معها . أما هذه القفلة الأخيرة فقد أملتها تقاليد المقامة ، إذا صح القول ، ولكنها في الواقع تضمنت لفتة ساخرة من هذه التقاليد نفسها التي اهتدى إليها الهمذاني بوحي من عصره وبيئاته ومشاغله . فالقفلة تضمنت مثلا ، إذ أقر المدعوون بعذر أبي الفتح ، ونحوا نحوه في عدم تناول المضيرة وخلصوا إلى القول : « قديما حنت المضيرة على الأحرار ، وقدمت الأراذل على الأخيار » . والمثل يكون عادة زبدة الحقب وخلاصة التجارب ، فإذا بهم هنا يستخرجون عظة وعبرة من حادث طريف وقع لأبي الفتح فشملوا به الأحرار . فنحن أمام مثل وضعه بديع الزمان وأجراه في آخر مقامته ، فيبدو للمطالع « الجاد » أنه وجد قديما ، وهو في واقع الحال من صنيع الهمذاني ، فكان بديع الزمان رمى به إلى السخرية من الأمثال . ويؤكد الدارسون لفن القصة على أهمية عنصري : « الزمان » و « المكان » ، إذ القصة تصور دائما بيئة معينة ، وتبدو موفقة بمقدار كشفها عن هذه البيئة وصدق تصويرها ، وهذه البيئة المعنية إنما تكونت في زمن محدد نتيجة عوامل مختلفة . والمقامة المضيرية تسمح لنا أي سماح بوضع حد لهذه الفكرة السقيمة التي نلقاها عند أكثر من باحث محترم ( 1 ) يقول المستشرق توماس تشنري Chenery ، ، أحد مترجمي مقامات الحريري إلى الإنكليزية على أن « الأسلوب هو كل شيء » في مقامات الهمذاني . ويذهب المستشرق نيكلسون Nicholson إلى أن « القصة لا شيء والأسلوب كل شيء » عند بديع الزمان . ( نقلا عن : بديع الزمان الهمذاني ، رائد القصة العربية والمقالة الصحفية مصطفى الشكعة ، ص 279 و 280 ) ، ويقول شوقي ضيف ، موافقا ابن الطقطقي على رأي له في المقامات : « وإن من يتابع البديع في مقاماته يحس حقا أنه ألفها لغرض التمرن على الكتابة والإنشاء . . . » ! ( الفن ومذاهبه في النثر العربي ، ص 177 ) ، أما جرجي زيدان فيبدو أوفر اعتدالا وبعد نظر إذ يقول عن مقامات البديع : « والمراد بها في الأكثر التفنن بالانشاء وتضمينه الأمثال والحكم . ولم يكن هذا كل المراد منها في زمن الهمذاني » . ، ( تاريخ آداب اللغة العربية ، ج 2 ص 275 ) . ، والتي يذهب مشيعوها إلى القول إن المقامات قصص لغوية ، أو إنه قصدت بها فقط الفائدة اللغوية والمهارة في التصرف بفنون الكلام . وهذا الرأي إذا كان يصدق - وإنه ليصدق - على عدد وافر من كتبة المقامات ، وخاصة الحريري ، والذين تتلمذوا عليه ، ومنهم ناصيف اليازجي في مطلع النهضة ، فإنه يبدو بين الزيف إذا أجري على بديع الزمان في مقاماته ، وإنه ليشين الهمذاني أكثر مما يكسبه غارا . والتكلف اللغوي عمد إليه بديع الزمان في بعض رسائله ، ولهذا حديث ليس هنا موضعه ، أما مقاماته فلا نقول إنها خلت تماما من صنيع لغوي مقصود بذاته ، إنما نؤكد على أن هذا الصنيع ليس الصفة الغالبة والسمة المميزة لمقامات الهمذاني . وإذا قيل لنا : لم لجا بديع الزمان إلى السجع كطريقة في الكتابة والتزمها التزاما كبيرا لا يشذ عنه إلا لماما ؟ أما كان بمكنة الهمذاني أن ينسحب على أذيال أديب فاضل كابن المقفع مثلا ؟ على هذا نجيب موضحين ، لا مختلقين المعاذير ، أن السجع لابس اللغة العربية الفصحى - على حد علمنا - منذ أن استقامت في أفواه الناس . وهذا السجع الذي يبدو في خطب الجاهلية ، والذي نلقى آثاره البينة في القرآن ، ظل مرافقا العربية ، ويبدو على نحو ما في أدب ابن المقفع نفسه ، ثم اشتد ظهوره في كتابات القرن الثالث ، غير أن القرن الرابع الهجري احتفل أيما احتفال بالسجع ، فتكلفت اللغة الأناقة ، كما تكلفها الناس الأرستقراطيون المترفون في ماكلهم ومشربهم وملبسهم وحياتهم . وهذا السجع اللغوي توسل به فريق من أجلة الأدباء في هذا القرن الرابع الذي عرف عددا عجيبا من رجال الفكر والأدب ، ومن هؤلاء المتوسلين بالسجع ، كأسلوب لازم مؤلفاتهم لأنه غدا أسلوب العصر ، أبو منصور الثعالبي معاصر البديع ومن معارفه ، وأبو إسحاق